بعد أيام قليلة من وصولي إلى الرياض، مطلع فبراير/شباط الماضي، تحولت العاصمة السعودية إلى منصة عالمية تحتفي بأصوات الجاز، إذ انطلق مهرجان الرياض الدولي للجاز الأول من نوعه، ولمدة ثلاث ليال رحلة موسيقية ساحرة، استمتعت خلالها بأداء نخبة من الموسيقيين العالميين الذين قدموا باقة متنوعة من أنماط الجاز، إلى جانب مجموعة من المواهب السعودية الشابة التي أدهشتني ببراعتها وإبداعها. لم أكن أتخيل أن أبدأ عامي على هذا النحو الموسيقي، إلى الدرجة التي يمكن أن نقول معها.. 2024 عامًا يفيض بالألحان حقًا.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبعد المهرجان الذي انضم مؤخرًا إلى شبكة الجاز العالمية، انطلقتُ في رحلة استكشافية عبر المشهد الموسيقي السعودي، وحضرتُ فعاليات وحفلات موسيقية وغنائية أُقيمت على مدار العام، كان كل حفل بمثابة اكتشاف جديد، مثلت فيه الموسيقى «حدثًا» طوال العام، أي أننا نشير إلى تجربة زمنية فريدة لا يمكن تكرارها بالضبط، سلسلة من اللحظات المترابطة التي تخلق انطباعًا كليًا. فكل أداء موسيقي حدث فريد من نوعه، حتى لو كان لأغنية أو مقطوعة واحدة، فإن كل أداء يحمل في طياته تفاصيل دقيقة تجعله مختلفًا عن الآخر.
الأكثر تأثيرًا
ومن خلال تتبع أبرز الفعاليات الفنية الموسيقية الغنائية خلال العام 2024، يمكن أن نتلمس التحولات الجذرية، إذ تتسارع الخطى نحو بناء صناعة ثقافية وفن، لنقف أمام سجل حافل بالإنجازات في مجالات الموسيقى والأوبرا، من خلال شبكة متكاملة من المبادرات والفعاليات التي عززت مكانة المملكة.
الفعاليات التي نتتبعها انتقلت من التركيز على التراث الموسيقي إلى احتضان أنماط موسيقية عالمية، إضافة إلى مبادرات مثل «روائع الأوركسترا السعودية» التي تسعى إلى الحفاظ على التراث الموسيقي الوطني. فيما لعبت الأوبرا دورًا حيويًا في إثراء الحياة الثقافية في المملكة. وقدمت عروضًا عالمية المستوى من أول عمل أوبرالي سعودي وهو «زرقاء اليمامة»، التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة.
الأوبرا التي سبق أن كتبنا عنها هنا في «العربية نت»، أنتجتها هيئة المسرح والفنون الأدائية السعودية في أبريل/نيسان، وهي نتاج قريحة سعودية خالصة، من تأليف الشاعر والمسرحي والناقد السعودي صالح زمانان، الذي يُعدّه النقّاد من أهم الأسماء في مجال الثقافة والكتابة الشعرية والمسرحيّة في منطقة الخليج العربي، ويعمل في الوقت الراهن على كتابة أطروحته لنيل درجة الدكتوراة في فلسفة الدراما في موضوع «تجلّيات الهُوية في المسرح السعودي وفق رؤية المملكة 2030».
ويُعد «زمانان» واحدًا من أكثر الشخصيات الفاعلة في الثقافة السعودية، وفي مجالات عدّة مسرح وأوبرا وشعر وغيرها من المجالات، والمتابع لمسيرته يدرك أن «جعبة زمانان» لا تزال تحمل الكثير للحياة الثقافية السعودية، فهو الذي افتتح العام بحدث عالمي، وضع به أقدام حركة الفنون في المملكة على الخارطة العالمية، ففي أعماق «زرقاء اليمامة»، نبضت روح التراجيديا العربية القديمة، وكانت كلوحة فنية سوريالية ترسم ملامح مأساة شعب، وتنذر بخطر داهم.
«زرقاء» تلك العرافة التي حملت بصيرتها سيفًا مشهرًا في وجه الظلام، أطلقت صرخة مدوية تهز أركان الوجدان. صوتها، كأنما نسمع فيه زمجرة الرياح الصحراوية تحمل تحذيرات من عاصفة قادمة، ودعوة ملحة إلى استنهاض الهمم وإشعال جذوة اليقظة. ففي عالمنا المعاصر، حيث تسود الضوضاء والزيف، تبدو رسالة المرأة العربية القديمة منارةً تضيء الدروب المظلمة، وتذكرنا بأهمية الحكمة والتبصر، وبضرورة أن نكون صيادين للنور لا لظلام الجهل.













